يكشف الصحفي ديكلان والش في هذا التحقيق كيف تحوّلت الحرب الأهلية في السودان إلى ساحة صراع تكنولوجي متقدم، تقوده مصالح قوى إقليمية ودولية، مع بروز دور مصري غير معلن عبر قاعدة جوية سرّية تُستخدم لإطلاق طائرات مسيّرة تضرب أهدافًا داخل الأراضي السودانية. يعرض التحقيق صورة مختلفة لتشابك الصراع، حيث لم تعد البنادق وحدها تحسم المعارك، بل باتت المسيّرات بعيدة المدى عنصرًا حاسمًا في واحدة من أكثر الحروب دمارًا في العالم اليوم.

 

وتشير النيويورك تايمز إلى أن هذه القاعدة تقع داخل الأراضي المصرية، وسط مشروع زراعي ضخم في الصحراء الغربية، بينما تستهدف الضربات قوات الدعم السريع في السودان. اعتمد التحقيق على صور أقمار صناعية، وسجلات طيران، ومقاطع مصورة، إضافة إلى مقابلات مع مسؤولين أميركيين وأوروبيين وعرب، ما يوفّر أدلة قوية على تورط تكنولوجيا عسكرية متقدمة في تأجيج الصراع السوداني.

 

قاعدة خفية وحرب تتغيّر

 

تقع القاعدة الجوية قرب مشروع شرق العوينات الزراعي، المعروف بدوائر المحاصيل العملاقة التي تظهر بوضوح في صور الأقمار الصناعية. تبدو القاعدة، للوهلة الأولى، منشأة مدنية مرتبطة بالزراعة، لكن صورًا حديثة تكشف مدرجين للطائرات، وحظائر عسكرية، وأنظمة اتصالات متقدمة. من هناك، تقلع طائرات مسيّرة طويلة المدى لتنفذ ضربات في عمق السودان، ضمن حرب أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الطائرات غير المأهولة.

 

يرى التحقيق أن هذا التطور يعكس تحول النزاع السوداني من حرب أهلية تقليدية إلى مسرح تنافس إقليمي تستخدم فيه المسيّرات لضرب قوافل إمداد ومقاتلين، وأحيانًا بنى تحتية مدنية. أسفرت هذه الضربات عن مقتل آلاف المدنيين والمقاتلين، وزادت من حجم الدمار في بلد يعاني أصلًا من المجاعة والنزوح الجماعي.

 

تشابك إقليمي ودولي

 

يبرز التحقيق شبكة معقدة من الأطراف المتدخلة. تدعم الإمارات قوات الدعم السريع عبر تزويدها بطائرات مسيّرة صينية بعيدة المدى، بينما يحصل الجيش السوداني على طائرات مسيّرة تركية متقدمة. تدخلت السعودية وقطر سياسيًا إلى جانب الجيش، فيما انخرطت قوى أخرى مثل روسيا وإيران وتركيا في تزويد السلاح أو تقديم الدعم غير المباشر.

 

انضمّت مصر، وفق التحقيق، إلى هذا المشهد عبر توفير قاعدة آمنة لتشغيل المسيّرات التركية التي يستخدمها الجيش السوداني. جاء هذا التحول بعد تطورات ميدانية خطيرة، أبرزها سقوط مدينة الفاشر في دارفور بيد قوات الدعم السريع، وهو ما أثار قلق القاهرة من تمدد نفوذ هذه القوات على حدودها الجنوبية وتدفق موجات جديدة من اللاجئين.

 

مسيّرات تحسم المعركة وتروّع المدنيين

 

يوضح التحقيق أن الطائرات المسيّرة باتت الأداة الأساسية في القتال. تستهدف الضربات قوافل إمداد ومواقع تجمع للمقاتلين، لكنها تطاول أيضًا أسواقًا ومساجد ومستشفيات ومحطات كهرباء. تشير تقارير أممية إلى مقتل مئات المدنيين في ضربات منسوبة لقوات الدعم السريع، بينها هجوم على روضة أطفال أودى بحياة عشرات الأطفال.

 

في المقابل، يستخدم الجيش السوداني المسيّرات التركية لقطع خطوط الإمداد القادمة من ليبيا وتشاد، ما يفاقم سباق التسلح التكنولوجي. رصد خبراء حصول قوات الدعم السريع على أنظمة تشويش وصواريخ أرض–جو صينية، يُعتقد أن داعميها في الخليج وفروا جزءًا منها، في محاولة لتحييد التفوق الجوي للخصم.

 

مصر بين المصالح والمخاطر

 

تضع المشاركة المصرية القاهرة أمام معادلة معقدة. تعتمد مصر اقتصاديًا بشكل كبير على الاستثمارات الإماراتية، في وقت تدعم فيه أبوظبي الطرف المقابل للجيش السوداني. في المقابل، تخشى القاهرة من سيطرة قوات الدعم السريع على السودان، لما يحمله ذلك من تهديدات أمنية مباشرة وحدودية.

 

يكشف التحقيق أن وتيرة الضربات من القاعدة المصرية تسارعت بعد سقوط الفاشر، ما دفع قوات الدعم السريع إلى إطلاق تهديدات مبطنة بالرد على “قواعد أجنبية” تنطلق منها المسيّرات. يعكس ذلك خطر اتساع رقعة الحرب وتحولها إلى صراع إقليمي مفتوح.

 

حرب بلا أفق

 

رغم سباق المسيّرات، لا يبدو أن أي طرف يقترب من حسم الحرب. تتهم الولايات المتحدة الجيش السوداني باستخدام أسلحة محرمة، وتتهم قوات الدعم السريع بارتكاب جرائم إبادة، وفرضت عقوبات على الجانبين دون أن تنجح في كبح تدفق السلاح. في هذا السياق، تحولت التكنولوجيا إلى عامل يزيد الفوضى بدل أن يحسم الصراع.

 

يخلص التحقيق إلى أن الحرب في السودان لم تعد مجرد صراع داخلي، بل باتت اختبارًا لكيفية تحول النزاعات المحلية إلى ساحات تنافس دولي عالي التقنية. ومع استمرار استخدام المسيّرات من قواعد خفية، يبقى المدنيون هم الخاسر الأكبر، بينما تتعمق المأساة في بلد يعاني أصلًا من واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.

 

https://www.nytimes.com/2026/02/01/world/africa/egypt-sudan-drones.html